Sunday, June 12, 2016

اسراب سمك البورى




كنت اخدم في لواء مظلات اثناء حرب 6 اكتوبر 1973 كقائد لوحدة التأمين الفنى للمركبات باللواء في موقع قريب من جبل عتاقة جنوب مدينة السويس..وبعد وقف اطلاق النار وبعد محادثات الكيلو 101 بين الطرفين المتحاربين اصبح لدينا  بعض الوقت الخالي من المهام .. فاقترح احد الزملاء من الضباط ان نذهب الى شاطئ خليج السويس بالعين السخنة فهى قريبة من مكاننا ونصطاد سمك القرش الذى يعج به المكان كما رآه من قبل فقد كان في مهمة استطلاعية ورأى سمك القرش قريب جدا من الشاطئ حتى أن الأمواج تقذف به الى الشاطئ ثم تعود فتسحبه مرة أخرى..ولذلك صنعنا عدة "حراب" بالورشة وتم سنًها جيدا واخذناها مع البنادق الآلية وصوابع الجلجنايت (متفجرات) ومفجرات كهربائية وذهبنا الى مكان بطريق السخنة - الغردقة وعند هذا المكان يرتفع الطريق  عن الشاطئ حوالى ستة أمتار ويحده من الطرف الآخر سفح جبل صخرى يمكن تسلقه..كنا حوالى سبعة ضباط وعشرة جنود بثلاث سيارات جيب، فوقفنا على حرف الطريق المقابل للمياه..كانت المياه شفافة لدرجة مذهلة حتى اننا نرى القروش وهى تقترب من الشاطئ ثم تبتعد عنه وحين قذفت الامواج احد القروش على الشاطئ اطلقنا عليه عدة طلقات نارية واذا بالموج يسحبه ويبتعد هو الى داخل المياه العميقة..اعطينا جنديين حربتين ونزلا الى الشاطئ وحين اقترب احد القروش جدا من الشاطئ حاولا غرز الحربة فى جسده ولكنها لم تنفذ إليه ابداً وكأنه يرتدى درع فلم يكن لنا بد من استخدام الجلجنايت فرمينا عبوة الى المياه (بعيد عن مكان تواجدنا بحوالى 50 متراً) وحين انفجرت خلفت بعض الاسماك فربطناها معاً ثم ربطناها فى عبوة بمفجر كهربائى والقيناها في الشاطئ القريب وطرفى السلك قرب بطارية السيارة على أمل أن يحضر أحد القروش لإلتهام الأسماك فنفجر العبوة حين ينقض القرش على الأسماك ونصطاده بالتالى...اقترب عدة قروش من الأسماك المربوطة بالعبوة فيحومون حلوها ثم ينصرفون حتى جاء قرش طوله حوالى متر وربع وانقض على الأسماك  فقمنا بتفجير العبوة وهنا تحولت المياه الصافية الى مياه عكرة ولم نعد نرى القرش ولا اى شئ اخر...اثناء ذلك ارتقيت الجبل  مع بعض الزملاء لارتفاع  حوالى عشرة امتار نراقب ما يحدث...وفجأة رأينا من فوق الجبل  على البعد سربأ ضخما من الاسماك بدا داخل البحر داكن اللون ويشغل مساحة ضخمة وقريب من الشاطئ ويتقدم ناحيتنا ببطئ...وعلى الفور أعددنا ثلاث عبوات بمفجرات كهربائية والقيناهم فى البحر (كل عبوة على مسافة عشرة امتار من الاخرى) فى طريق تقدم السرب واطراف الاسلاك للثلاث  عبوات مع احد الجنود بجانب بطارية السيارة منتظرا إشارة منا لتفجير العبوات...وحين وصل السرب للعبوة الاولى إنقسم السرب الى نصفين ثم عاد لسيرته الاولى وحين اصبح منتصف السرب فوق العبوات الثلاث اعطينا الاشارة لجندي التفجير ففجر العبوات الثلاث فى وقت واحد...وإذا صفحة المياة تنقلب الى لون فضى وهرع الجنود الى البحر لحصد الأسماك المترنحة من أثر التفجير فملأنا العديد من شكاير الرمل بأسماك البورى حتى إمتلأت السيارات الجيب الثلاثة بشكاير الرمل المليئة بأسماك البورى الطازجة وهنا اذكر عدة نقاط:

1- عند دخول الجنود للمياه لحصد الأسماك تعثر احدهم بالقرش الذى كنا فجرنا "عبوة الاسماك" التى انقض عليها لالتهامها (لم نره وقتها لأن التفجير أثار رمال قاع البحر فعكرت المياه) وسحبه إثنان من الجنود ووجدنا أن فمه مقطوع من أثر التفجير وحين عدنا الى اللواء لم تفلح السكاكين الحادة في قطع جلده...لم يجدِ في قطعه إلا مشرط الجراح بالسرية الطبية!!...وبالمناسبة فإن لحم القرش المقلى يماثل طعم الجمبرى.

2- قمنا بتوزيع أسماك البورى مع قطع من سمكة القرش على جميع وحدات اللواء وأعتقد أن جميع افراد اللواء كان غدائهم فى ذلك اليوم سمك.

3- كان ما جمعناه من أسماك البورى ذلك اليوم يتجاوز 500 كيلو جرام وتركنا فى البحر كمية رهيبة منه لن تلبث ان تفيق وتواصل رحلتها. 

4- قبل مغادرة المكان قمنا بشواء بعض من اسماك البورى على صفيحة فوق نار من الاغصان الجافة وكان الضابط مقترح الرحلة، وهو مغرم بصيد الاسماك، قد احضر معه "دَقة" من صنعه يغطس فيها السمك بعد الشوى...واستطيع ان اقول أن سمك ذلك اليوم هو أحلى سمك بورى مشوى ذقته فى حياتى حتى وقتنا هذا...بالمناسبة فقد كان سرب البورى صائما وبطنه نظيفة تماما.

5- أعدنا رحلة صيد الأسماك بالمتفجرات عدة مرات (أثناء ايام الجمعة وهو اليوم الذى يخلو من التدريب) وكان إحداها صيد أسماك "الخيرمان" او "أبو سيف"، كما قال لنا خبراء السمك، وهى أسماك يميل لونها الى الأزرق ولها سيف فى مقدمة رأسها ومستديرة الجسم وتقلى فى الزيت ولحمها اطيب ما يكون (الصورة)

كان ذلك طرفا من الذكريات الغالية الطريفة فى فترة ما بعد الحرب وفصل القوات ومحاولاتنا كسر الملل ونحن نعيش الحياة الميدانية الجافة (حيث لا إتصالات مع الأهل ولا أجازات والحياة في الخيام بلا أى وسائل ترفيه) وذلك منذ خروجنا من انشاص لحرب أكتوبر 73 وحتى عودتنا فى ابريل 1974 إلى اماكن تمركزنا الأصلية فى أنشاص (ما يقرب من 7 شهور) وأستعيد الأن هذه الذكريات بسعادة بالغة وكأنها بالأمس القريب فقد كانت أيام قاسية ومليئة بالأحداث ولا تخلو من الطرائف والبهجة.

محمد اسامة راغب 

No comments:

Post a Comment