Sunday, June 12, 2016

اسراب سمك البورى




كنت اخدم في لواء مظلات اثناء حرب 6 اكتوبر 1973 كقائد لوحدة التأمين الفنى للمركبات باللواء في موقع قريب من جبل عتاقة جنوب مدينة السويس..وبعد وقف اطلاق النار وبعد محادثات الكيلو 101 بين الطرفين المتحاربين اصبح لدينا  بعض الوقت الخالي من المهام .. فاقترح احد الزملاء من الضباط ان نذهب الى شاطئ خليج السويس بالعين السخنة فهى قريبة من مكاننا ونصطاد سمك القرش الذى يعج به المكان كما رآه من قبل فقد كان في مهمة استطلاعية ورأى سمك القرش قريب جدا من الشاطئ حتى أن الأمواج تقذف به الى الشاطئ ثم تعود فتسحبه مرة أخرى..ولذلك صنعنا عدة "حراب" بالورشة وتم سنًها جيدا واخذناها مع البنادق الآلية وصوابع الجلجنايت (متفجرات) ومفجرات كهربائية وذهبنا الى مكان بطريق السخنة - الغردقة وعند هذا المكان يرتفع الطريق  عن الشاطئ حوالى ستة أمتار ويحده من الطرف الآخر سفح جبل صخرى يمكن تسلقه..كنا حوالى سبعة ضباط وعشرة جنود بثلاث سيارات جيب، فوقفنا على حرف الطريق المقابل للمياه..كانت المياه شفافة لدرجة مذهلة حتى اننا نرى القروش وهى تقترب من الشاطئ ثم تبتعد عنه وحين قذفت الامواج احد القروش على الشاطئ اطلقنا عليه عدة طلقات نارية واذا بالموج يسحبه ويبتعد هو الى داخل المياه العميقة..اعطينا جنديين حربتين ونزلا الى الشاطئ وحين اقترب احد القروش جدا من الشاطئ حاولا غرز الحربة فى جسده ولكنها لم تنفذ إليه ابداً وكأنه يرتدى درع فلم يكن لنا بد من استخدام الجلجنايت فرمينا عبوة الى المياه (بعيد عن مكان تواجدنا بحوالى 50 متراً) وحين انفجرت خلفت بعض الاسماك فربطناها معاً ثم ربطناها فى عبوة بمفجر كهربائى والقيناها في الشاطئ القريب وطرفى السلك قرب بطارية السيارة على أمل أن يحضر أحد القروش لإلتهام الأسماك فنفجر العبوة حين ينقض القرش على الأسماك ونصطاده بالتالى...اقترب عدة قروش من الأسماك المربوطة بالعبوة فيحومون حلوها ثم ينصرفون حتى جاء قرش طوله حوالى متر وربع وانقض على الأسماك  فقمنا بتفجير العبوة وهنا تحولت المياه الصافية الى مياه عكرة ولم نعد نرى القرش ولا اى شئ اخر...اثناء ذلك ارتقيت الجبل  مع بعض الزملاء لارتفاع  حوالى عشرة امتار نراقب ما يحدث...وفجأة رأينا من فوق الجبل  على البعد سربأ ضخما من الاسماك بدا داخل البحر داكن اللون ويشغل مساحة ضخمة وقريب من الشاطئ ويتقدم ناحيتنا ببطئ...وعلى الفور أعددنا ثلاث عبوات بمفجرات كهربائية والقيناهم فى البحر (كل عبوة على مسافة عشرة امتار من الاخرى) فى طريق تقدم السرب واطراف الاسلاك للثلاث  عبوات مع احد الجنود بجانب بطارية السيارة منتظرا إشارة منا لتفجير العبوات...وحين وصل السرب للعبوة الاولى إنقسم السرب الى نصفين ثم عاد لسيرته الاولى وحين اصبح منتصف السرب فوق العبوات الثلاث اعطينا الاشارة لجندي التفجير ففجر العبوات الثلاث فى وقت واحد...وإذا صفحة المياة تنقلب الى لون فضى وهرع الجنود الى البحر لحصد الأسماك المترنحة من أثر التفجير فملأنا العديد من شكاير الرمل بأسماك البورى حتى إمتلأت السيارات الجيب الثلاثة بشكاير الرمل المليئة بأسماك البورى الطازجة وهنا اذكر عدة نقاط:

1- عند دخول الجنود للمياه لحصد الأسماك تعثر احدهم بالقرش الذى كنا فجرنا "عبوة الاسماك" التى انقض عليها لالتهامها (لم نره وقتها لأن التفجير أثار رمال قاع البحر فعكرت المياه) وسحبه إثنان من الجنود ووجدنا أن فمه مقطوع من أثر التفجير وحين عدنا الى اللواء لم تفلح السكاكين الحادة في قطع جلده...لم يجدِ في قطعه إلا مشرط الجراح بالسرية الطبية!!...وبالمناسبة فإن لحم القرش المقلى يماثل طعم الجمبرى.

2- قمنا بتوزيع أسماك البورى مع قطع من سمكة القرش على جميع وحدات اللواء وأعتقد أن جميع افراد اللواء كان غدائهم فى ذلك اليوم سمك.

3- كان ما جمعناه من أسماك البورى ذلك اليوم يتجاوز 500 كيلو جرام وتركنا فى البحر كمية رهيبة منه لن تلبث ان تفيق وتواصل رحلتها. 

4- قبل مغادرة المكان قمنا بشواء بعض من اسماك البورى على صفيحة فوق نار من الاغصان الجافة وكان الضابط مقترح الرحلة، وهو مغرم بصيد الاسماك، قد احضر معه "دَقة" من صنعه يغطس فيها السمك بعد الشوى...واستطيع ان اقول أن سمك ذلك اليوم هو أحلى سمك بورى مشوى ذقته فى حياتى حتى وقتنا هذا...بالمناسبة فقد كان سرب البورى صائما وبطنه نظيفة تماما.

5- أعدنا رحلة صيد الأسماك بالمتفجرات عدة مرات (أثناء ايام الجمعة وهو اليوم الذى يخلو من التدريب) وكان إحداها صيد أسماك "الخيرمان" او "أبو سيف"، كما قال لنا خبراء السمك، وهى أسماك يميل لونها الى الأزرق ولها سيف فى مقدمة رأسها ومستديرة الجسم وتقلى فى الزيت ولحمها اطيب ما يكون (الصورة)

كان ذلك طرفا من الذكريات الغالية الطريفة فى فترة ما بعد الحرب وفصل القوات ومحاولاتنا كسر الملل ونحن نعيش الحياة الميدانية الجافة (حيث لا إتصالات مع الأهل ولا أجازات والحياة في الخيام بلا أى وسائل ترفيه) وذلك منذ خروجنا من انشاص لحرب أكتوبر 73 وحتى عودتنا فى ابريل 1974 إلى اماكن تمركزنا الأصلية فى أنشاص (ما يقرب من 7 شهور) وأستعيد الأن هذه الذكريات بسعادة بالغة وكأنها بالأمس القريب فقد كانت أيام قاسية ومليئة بالأحداث ولا تخلو من الطرائف والبهجة.

محمد اسامة راغب 

Sunday, April 17, 2016

غداء بدوي







كنت أتصفح أحد البومات الصور فتذكرت مناسبة الصورتين المرفقتين وقد أردت بمناسبة إحتفالات أكتوبر أن ارفعهما وكتابة مناسبتهما فهما من ذكرياتى الغالية ايام الخدمة : كنت أخدم فى أحد التشكيلات الميدانية وكان هناك مشروع تدريبى كبير فى شهر مايو 1985 بالقرب من منطقة وادى النطرون واستمر هذا التدريب أربعة أيام فى الصحراء الغربية وبالطبع نعيش ظروف المعركة كأنها حقيقية فالمياه بحساب والطعام "تعيين قتال" معظمه معلبات وبسكوت خاص كنا نسميه "خشبسكو" لصلابته، فلم نكن نأكل إلا قليلاً جداً وبالطبع ليس هناك مكان نشترى منه طعام .. والنوم إما داخل العربات أو فى خيام على الأرض ونقضى حاجتنا فى العراء وليس هناك وقت ولا مكان ولا مياه لرفاهية الإستحمام رغم شدة حرارة الجو فى هذا التوقيت والعرق يتصبب بغزارة مع كل تحرك تحت الشمس الحارقة والرياح الساخنة المحملة بالرمال .. وبطبيعة الحال فمولد الكهرباء لغرف العمليات فقط فكنا ننام من بعد العشاء حتى الفجر ... وكان موجود معنا ضابط من قبيلة كبيرة تتركز فى مناطق العامرية والحمام ووادى النطرون ... عشنا هذا العذاب مدة التدريب وفى اليوم الأخير دعا هذا الضابط جميع الضباط للغداء فى أحد مواقع قبيلته ... ذهبنا الى موقع الغداء وفوجئنا بأنه جهز خيمة كبيرة مفروشة بالأكلمة والمكان به حوالى 15 طبلية (طبلية لكل ستة ضباط) على كل منها صينية فته باللحم الضانى وبجانبها طواجن الأرز المعمر وخارج الخيمة منضدة عليها كاسيت كبير وأغانى لشادية وليلى مراد وعبد الحليم حافظ ... أكلنا يومها كما لم نأكل من قبل فالطعام رائع زاده روعة شدة الجوع (فكما يقال أن الجوع أمهر طباخ!!) ... قدمنا الشكر الجزيل لهذا الضابط ولكبار رجال قبيلته وكانت لفتة رائعة منهم ... تذكرت هذا الموقف حين وقع بيدى بالمصادفة الصورتين المرفقتين وقد التقطهما أحد الزملاء 

بقلم والدي: محمد اسامة راغب.

كنافة رمضان








خلال عام 1970 كنت أخدم بالجيش الثالث الميدانى فى وحدة ميدانية متخصصة فى صيانة وإصلاح السيارات والمركبات .. وكنا نبيت فى ملاجىء تحت الأرض يطلق عليها "قفص القرد" مساحته حوالى 10 أمتار مربعة .. كانت حياة جافة للغاية فى الصحراء القاحلة لشح المياه والطعام المخلوط بالرمال فى كثير من الأيام (من العواصف الترابية) ولا توجد أى وسائل ترفيه بخلاف لعب كرة القدم أحياناً وقت العصر والأجازات 4 أيام كل 26 يوما .. وهلّ علينا شهر رمضان الكريم والغالبية العظمى من الأفراد تصوم كالمعتاد .. وتصادف أن كان لدينا بالوحدة مجند "كنفانى" عرض على قائد الوحدة أنه يمكن بإمكانيات الوحدة أن نصنّع كنافة بأن نبنى 2 فرن (أحدهما لعمل الكنافة والآخر لتسويتها) وعمل صينية مستديرة قطرها حوالى متر و"كوز" لصب عجينة الكنافة (ذو مخارج دقيقة أسفله) وعمل صاجات للتسوية مع تدبير الدقيق والسمن والسكر اللازم لعمل الكنافة .. أعجب قائد الوحدة بالفكرة فأمر بتنفيذها على الفور .. شارك المهنيون بهمة فى عمل الأدوات المطلوبة وتولى الجنود بناء الأفران وجمع كسر الخشب المتبقى من صناديق المحركات وقطع الغيار لإستخدامها كوقود للأفران .. إقترح فرد آخر شراء فول سودانى لحشو الكنافة وكان ذلك ... ثالث أيام رمضان كان كل شىء جاهز وبدأ الكنفانى فى عمل الكنافة ب"الكوز" وسط صيحات الجنود الملتفين حوله وكلما جمع الكنفانى ما صبه فوق الصينية يصيحون "هييييييييييييييييه" ... وكلما تجمعت كمية مناسبة أخذها طباخ الوحدة لملىء الصاجات وتسوية الكنافة بعد حشوها بالسودانى ثم صب "الشربات" عليها بعد التسوية وتقطيع الصاج الى مربعات مناسبة للأفراد ... حدث كل ذلك وأنا وبعض الضباط نراقب العملية كلها مسرورين لفرحة الجنود وسعادتهم .. وكان ما تم صنعه فوق كفاية كل أفراد الوحدة فبعثنا الزيادة كهدية الى بعض الوحدات المجاورة ... الشىء الغريب أنه فى اليوم التالى حضر لوحدتنا بعض قادة الوحدات القريبة منا يشتكون لماذا لم نرسل اليهم كنافة مثل الآخرين !!! وكان القرار أن الزيادة كل مرة تذهب لوحدات غير المرة السابقة ... تذكرت هذه الواقعة وابتسمت وكتبتها علها تبين للأصدقاء لمحة من لمحات السعادة والبهجة التى عشناها وسط الحياة الميدانية الجافة والبالغة القسوة قبل معارك 73.

بقلم والدي: محمد اسامة راغب

يوم عصيب بسيدي برانى


 

 تقع منطقة سيدى برانى غرب محافظة مطروح وتبعد حوالى 140كم غرب مدينة مرسى مطروح وتبعد عن السلوم حوالى 80كم ... فى عام 1979 إنتقلت للخدمة بأحد التشكيلات المدرعة بسيدى برانى بمنطقة تسمى "مشيفة" تبعد جنوب البحر بحوالى 35 كم فى جوف الصحراء القاحلة حيث لا زرع ولا ماء ولا شىء غير الرمال والأتربة وكانت مدينة سيدى برانى وقتها عبارة عن قرية صغيرة للغاية ولا خدمات فيها وبها بعض الحوانيت التى تبيع مواد البقالة البسيطة بالإضافة الى عدد محدود من محلات الجزارة التى تبيع لحوم الضأن ونشاط أهل المنطقة (البدو) ينحصر فى تربية الأغنام والجمال وزراعة بعض الأراضى بالشعير على مياه الأمطار وندى الصباح ... وكانت المياه تصل الينا من سفن "حاوية للمياه" من الإسكندرية الى السلوم ومن السلوم تنقل بسيارات فنطاس الى سيدى برانى ومن السيارات الى الجراكن ومنها الى الزمزميات التى نشرب منها ... ومن الممكن أن نشهد الفصول الأربعة للطقس فى يوم واحد (حر وبرد ومطر وشمس ورياح وجو لطيف) ... ومنطقة برانى هذه يلازمها الرياح المحملة بالأتربة فى كثير من أيام السنة وتشتد أحيانا لتكون عاصفة فتتوقف جميع الأنشطة اليومية بحيث لا يمكن تجهيز أى طعام ولا نحصل على المياه فى هذا اليوم حتى هدوء العاصفة ليلاً وبيبقى يوم "زحل" ... وذات يوم من عام 1979 ومنذ الصباح الباكر حدثت عاصفة شديدة للغاية (كان يوم "إثنين" وكان يوم زيارة مناحيم بيجين لمصر.. وكأن زيارته تلك كانت نحساً علينا) ... الرؤية منعدمة تماماً بسبب كثافة الرمال والأتربة الناعمة وحجبها تماماً للشمس بحيث لو نظرت الى كف يدك لا تراه وكأننا فى بحر من الطحينة الحمراء الداكنة ولا يمكن بأى حال أن يتحرك أحد من مكانه لأنه سوف يضل الطريق بالتأكيد ويتعرض للإختناق والموت الأكيد .. علاوة على ان رمال العاصفة تصفع الوجه وتؤلمه كأن الرمال مجموعة من الإبر تخترق البشرة ... شىء مهول لم أره فى حياتى من قبل ولم أره بعد ذلك رغم خدمتى الطويلة فى صحراوات مصر ... واحتمينا داخل مكان المبيت وهو أشبه ما يكون بالكوخ الكبير نسبياً نسميه "هاردبورد" لأنه مصنوع من الهارد بورد (نوع من الكرتون المضغوط) على هيكل من الخشب .. وكل منا وضع فوطة على فمه وأنفه حتى يمكن التنفس بدون الأتربة (التى تتسلل الى الداخل من الفوارق والفواصل بين الباب والنوافذ وبين الهيكل غير المحكم) وننظر من خلال زجاج النافذة فلا نرى شيئاً بالمرة وكأن الزجاج مدهون ببوية أصفر بإحمرار ومرت الساعات بطيئة مع إزدياد حرارة الجو بالداخل وبدء تصبب العرق قرب الظهيرة حتى وصلت الى الساعة الثانية ظهراً حيث حدث ما لم يكن فى الحسبان ... لقد طار سقف مكان المبيت وتقذف الرياح علينا الرمال الصفراء والأتربة الحمراء بلا هوادة ونحن لا نملك لها دفعاً ولا وقاية واختلطت الأتربة بالعرق لتغطى الجبهة والأماكن المكشوفة من الجسم (الجبهة واليدان والقفا) بوحل بنى ... إستمر هذا الحال المأساوى حتى السادسة مساء حيث بدأت العاصفة تهدأ رويداً رويداً حتى هدأت تماماً فى السابعة ليلاً ... مر اليوم كله ولم يتذوق أحد الطعام واكتفينا بالماء القليل الذى كان فى الزمزميات منذ الأمس .. وكان همنا الأكبر أن نعيد السقف الذى طار وأن ننظف المكان و"تنفيض" الملاءات والبطاطين من الأتربة والرمال وتم ذلك على ضوء كشافات السيارات ثم بعد تشغيل مولد الكهرباء فى حوالى الثامنة مساء ... وبالطبع لا نملك رفاهية الإستحمام فى هذا اليوم "الأغبر" لعدم وجود مياه واستعنا ببعض الجنود لرفع أجزاء السقف التى طارت وثبتناها بالمسامير مؤقتا حتى يتم تثبيتها جيداً صباح اليوم التالى ... وكان هناك لمبة مثبتة فوق باب الهاردبورد لتنير المكان خارج مكان المبيت فى فترة تشغيل المولد (4 ساعات يومياً) ... وقبل الساعة العاشرة مساء حدث شىء غريب للغاية .. فقد سمعنا بالخارج صوت خشخشة غريبة (شششششششششش) يزداد وضوحاً وعلواً بمرور الوقت فخرجنا لنستطلع مصدر الصوت وإذا بنا نرى مشهداً مرعباً .. جحافل هائلة من الخنافس الصحراوية تغطى مساحة كبيرة جداً متجهة الينا أو بالأصح متجهة الى مصدر الضوء أى لمبة الخارج (الصوت هو إحتكاك أرجلها بالرمال أثناء المسير) وبمنتهى السرعة أطفأنا الإضاءة الخارجية والداخلية و"حشرنا" بعض الملاءات لسد الفتحة أسفل الباب وأغلقنا النوافذ وانتظرنا حتى إختفى الصوت تماماً بعد حوالى ساعة وأضأنا لمبة الخارج فلم نجد أثراً للخنافس وتنفسنا الصعداء وفتحنا الشبابيك ... كان يوماً عصيباً ومرهقاً للغاية وقد توفى فى هذا اليوم عدد من الأفراد إختناقاً بسبب خروجهم من مكان المبيت وضلوا الطريق ... لقد رأيت أثناء خدمتى بسيدى برانى (سنتين) عدداً من الأعاجيب والغرائب ربما أكتبها فى وقت آخر.

بقلم والدي : محمد اسامة راغب

سينما الاطفال





من قديم الزمان وسينما مترو تقيم حفل للأطفال لمدة ساعة صباح كل يوم جمعة (على ما أتذكر من 9-10ص) وفى هذا الحفل تقدم السينما أفلام الأطفال وعلى رأسها بالطبع "توم وجيرى" وكذلك نقار الخشب وغيرها، وكانت تقدم هذه الأفلام على فترتين يتوسطهما إستراحة قصيرة يتخللها سحب على أرقام التذاكر وجوائز عبارة عن لعب أطفال ليست ذات قيمة مادية كبيرة ولكنها معقولة ... كنت حريصاً أثناء أجازاتى الميدانية (أوائل السبعينات) أن أصطحب إبنتىْ أحدى أخواتى الى هذه السينما كلما تصادف أن يكون بين الأجازة يوم جمعة (بالطبع بعد شراء بعض الحلويات لهما قبل الدخول) .. وللأمانة فقد كنت أستمتع بهذا الحفل ربما أكثر من الأطفال .. بل ربما كنت أصطحبهم حتى أجد مبرر لحضور الحفل فمن غير المعقول أن أحضر حفل للأطفال بمفردى !!! ... فبجانب الإستمتاع بأفلام توم وجيرى كنت أستمتع جداً بمراقبة السعادة على وجوه الأطفال وقت دخولهم السينما يحملون الحلوى والشوكولاتة وكذلك مرحهم أثناء الإستراحة وبعد الحفل أيضاً ... وحدث ذات مرة أن مرضت إحدى الأختين فاصطحبت الأخرى "الصغرى" الى الحفل وقلنا للأخت الكبيرة أننى سأذهب بالصغرى الى السوق لشراء بعض الحاجيات .. وخلال الطريق رددت عليها مراراً وتكراراً: (إوعى تقولى لأختك أننا ذهبنا الى السينما)
وفى أثناء الإستراحة تم السحب وفازت تذكرتها بجائزة وإستلمناها وقلت لها إوعى يا فلانة تقولى إننا كسبنا جايزة .. قولى إن أنا إشتريتها من السوق وإوعى تقولى أننا رحنا السينما أصلاً أحسن ما أخدكيش معايا تانى !! ... وعدنا الى منزل أختى وبمجرد فتح الباب إنطلقت هذه الإبنة الصغرى الى أختها المريضة وصاحت بأعلى صوتها: شوفى يا فلانة أنا كسبت إيه فى السينما!! ... وانفجرت المريضة فى بكاء مرير ولم تنقطع عن البكاء إلا لما وعدتها بإصطحابها للسينما دون أختها فى مرة قادمة.
وبعد أن رزقنى الله تعالى ب"بنتين" كررت نفس الشىء معهما فأصطحبهما الى سينما الأطفال معظم أيام الجمعة وأشترى لهما الحلويات والشيبسى قبل دخول السينما .. وبعد الخروج نشرب حاجة ساقعة أو آيس كريم ثم نمر على مكتبات وسط المدينة وبالذات مكتبة "لينرت ولاندروك" ومكتبة "دار المعارف" ومكتبة "مدبولى" لقربهم من سينما مترو لتفحص الجديد فى مجلات وكتب الأطفال (وكتب الكبار لى) وربما نشترى كتاب أو مجلة من هنا أو هناك وكنت أشجع إبنتى على إقتناء وقراءة المجلات وكتب الأطفال حتى أصبحتا مدمنتين للقراءة واستمر شغفهما بالقراءة حتى وقتنا هذا .... كانت أيام جميلة وكانت "فسحة السينما يوم الجمعة" شىء مميز فى حياة الأسرة.


بقلم والدي: محمد اسامة راغب

مصيف رأس البر




خلال عقدى الخمسينات والستينات من القرن الماضى كانت عائلتنا تفضل قضاء فترة المصيف فى رأس البر (تقع رأس البر عند نقطة إلتقاء نهر النيل بالبحر المتوسط) ولم تكن تفضل الإسكندرية وذلك لعدة أسباب كان من أهمها أن الإسكندرية مدينة كبيرة وضجيجها عالى وبها حياة المدينة الكبيرة والسيارات المسرعة بخلاف رأس البر فى تلك الأيام كانت هادئة للغاية ومبانيها تسمى عشش وهى عبارة عن مبنى من دور واحد نصفه مبنى بالطوب والأسمنت والنصف العلوى مصنوع من "الأكياب" وهى أشبه ما يكون بالحصير المصنوع من البوص ولذلك لم يكن هناك مبنى واحد فى رأس البر آنذاك بدورين (بالمناسبة فقد كانت رأس البر هى المصيف المفضل لأم كلثوم وعبد الوهاب وكثير من الفنانين والوجهاء) ... كل العشش من دور واحد حتى ما تم بناؤه بالخرسانة المسلحة بدءاً من أوائل الستينات (هى الآن بها عمارات وفيلات حديثة) ... ورأس البر لها شاطىء على البحر المتوسط وشاطىء على نهر النيل يسمى "الجربى" وأمامها على الضفة الأخرى من النيل تقع قرية صيادين تسمى عزبة البرج ... كنا ننتظر فترة المصيف بكل شغف ولهف شأن كل الأطفال والشباب ففيها حرية أكبر والإستمتاع بمياه البحر وركوب الدراجات ولعب الكرة وكرة المضرب (الراكيت) وكانت فترة المصيف تنقضى بسرعة غريبة شأن كل الأوقات السعيدة ... كان أبى- رحمة الله تعالى عليه- يستأجر سيارة خاصة لسفر الوالدة والبنات أما نحن- الخناشير- فكنا نسافر بالأتوبيسات ... كان الجدول اليومى- فى معظم الأيام- يبدأ من السادسة صباحاً حيث فترة السيدات على شاطىء البحر (من 6ص الى 7 ص) وعند مخارج الشوارع الى الشاطىء يقف رجال الهجانة بالجمال لمنع أى رجل من الإقتراب من الشاطىء خلال هذه الفترة فكانت السيدات والآنسات يذهبن الى الشاطىء خلال هذه الفترة الصباحية ثم نذهب نحن الى البحر بعد الساعة السابعة صباحاً وننصب الشمسية وكراسى المصيف ونظل نلعب فى مياه البحر حتى حوالى العاشرة فنعود الى العشة للإفطار ونعاود الذهاب "للبلبطة" فى البحر ولعب الراكيت حتى قرب الثانية أو الثالثة عصراً فنذهب للعشة لتناول طعام الغداء ثم أحياناً نذهب للبحر مرة ثالثة حتى قبيل المغرب فكان أبى- رحمة الله تعالى عليه- يحضر للشاطىء لمشاهدة غروب الشمس وهى "تسقط فى البحر" ... وفى أحيان أخرى كنا بعد الغداء نذهب لتأجير الدراجات أو لعب الكرة أمام العشة ... وفى المساء كنا نذهب الى منطقة الكورنيش واللسان (وهو لسان حجرى ممتد داخل المياه يفصل بين النيل والبحر) .. وفى هذه المنطقة ينتشر الفطاطرية أتذكر منهم أبو طبل ودعدور وهما أشهر محلات الفطير وكانت الفطيرة الكبيرة المحشوة بالكريمة تباع بعشرة قروش !! ونشترى اللب والسودانى والمشبك الدمياطى الشهير واللوكومادس (لقمة القاضى) ثم نعود للعشة لإستكمال السهر حتى منتصف الليل تقريباً (لا نريد ضياع دقيقة واحدة دون إستمتاع) ... وكانت وسيلة المواصلات برأس البر هى الطفطف الشهير وكثيراً ما كان سائق الطفطف يسير به على الشاطىء عند أطراف الموج فكنا نسعد جداً بما يفعله ... شىء آخر مميز فى رأس البر أنه فى فترة المصيف كان هو وقت فيضان النيل - قبل بناء السد العالي - ويلوّن الطمى مياهه باللون الأحمر الداكن وحين تصل مياه الفيضان الى رأس البر كانت مياه الفيضان تطغى على مياه البحر وتتوغل داخله لكنها لا يمكن أن تختلط بمياه البحر فنرى بالعين المجردة الفاصل الواضح بين مياه النيل الحمراء ومياه البحر الزرقاء (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ- الرحمن 19، 20) ... كنت فى عدد من أيام المصيف أذهب مع أبى الى شاطىء الجربى حيث ترسو "البلانصات" وهى محملة بما اصطادته من سمك السردين الطازج فنشترى كمية كبيرة بعضها يتم تخليله فى صفائح (لشم النسيم) والجزء الآخر نذهب به الى الفرن مع كثير من الجمبرى والكابوريا الطازجة وقد كانت أسعارها رخيصة وقتها .. والفرانين هناك أساتذة فى تسوية الكائنات البحرية .. وأينما تذهب فى رأس البر خلال فترة الظهيرة تشم رائحة شوى (البورى والسردين والجمبرى والكابوريا) تنتشر فى هواء المصيف من الأفران العديدة هناك ... أما بائعى الخضروات فكانوا يمرون على العشش بدءاً من الساعة الثامنة صباحاً يشترى منهم المصيفون ما يريدون ... أما الآيس كريم فقد كان البائعون يسيرون بعرباتهم التى على شكل المركب ويبيعون الآيس كريم فى ما يسمى الساندوتش !! وهو عبارة عن قطعتى بسكوت شكلها مثل البانيو بطول حوالى ثمانية سنتيمترات ويحشو كل قطعة بالآيس كريم ثم يضعهما فوق بعضهما ليكونا ساندوتش آيس كريم !! والساندوتش بقرش صاغ !! ... وكان أحدهم يحضر أمام عشتنا فيقول له أبى "شوفهم عايزين إيه" وكان من يلتهم الساندوتش يطلب تانى وفى النهاية يسأله والدى كم سندوتش؟ فيقول له مثلاً 20 أو 25 فيعطيه الثمن !! ... موقف طريف أتذكره فى مصيف عام 59 أو 60 .. فقد كان بالعشة ثلاجة بدائية بالمطبخ مبنية من الطوب ولها باب صغير به زجاج لرؤية ما بالداخل ولها باب علوى لعلبة معدنية يفتح لوضع الثلج داخله فيتم تسقيع المياه وتبريد أى شىء آخر .. وكنت أتعجب لماذا عند فتح باب الثلاجة تضىء لمبة بداخلها وعند إغلاق الباب تنطفىء اللمبة !! ... فأردت أن أفحص هذا اللغز "فقرفصت" وفتحت الباب وأغلقته عدة مرات حتى لاحظت زر صغير عند كعب الباب فقمت بالضغط عليه وإذا تصيبنى صعقة كهربية شديدة إرتميت على ظهرى من شدتها وكانت النجاة فى هذه الرمية ولو لم أكن "مقرفصاً" لما نجوت من الصعق .. ولم أخبر أحداً بما فعلت وكان درساً أليماً !!! هذه بعض من ذكريات المصيف فى الطفولة وفترة المراهقة والتى ما زالت عالقة بذهنى أتذكرها بكثير من الإبتهاج والسعادة فقد كانت أيام ذهبية بحق .. لهو ولعب ولا نحمل هماً إلا وقت الإمتحانات فقط ... رحمة الله تعالى على تلك الأيام التى ولّت ببهجتها وسعادتها وبراءتها وتغيّرت الأيام وتبدلّت بالشقاء والهموم كما هى سنة الحياة.

بقلم والدي: محمد اسامة راغب