Sunday, April 17, 2016

مصيف رأس البر




خلال عقدى الخمسينات والستينات من القرن الماضى كانت عائلتنا تفضل قضاء فترة المصيف فى رأس البر (تقع رأس البر عند نقطة إلتقاء نهر النيل بالبحر المتوسط) ولم تكن تفضل الإسكندرية وذلك لعدة أسباب كان من أهمها أن الإسكندرية مدينة كبيرة وضجيجها عالى وبها حياة المدينة الكبيرة والسيارات المسرعة بخلاف رأس البر فى تلك الأيام كانت هادئة للغاية ومبانيها تسمى عشش وهى عبارة عن مبنى من دور واحد نصفه مبنى بالطوب والأسمنت والنصف العلوى مصنوع من "الأكياب" وهى أشبه ما يكون بالحصير المصنوع من البوص ولذلك لم يكن هناك مبنى واحد فى رأس البر آنذاك بدورين (بالمناسبة فقد كانت رأس البر هى المصيف المفضل لأم كلثوم وعبد الوهاب وكثير من الفنانين والوجهاء) ... كل العشش من دور واحد حتى ما تم بناؤه بالخرسانة المسلحة بدءاً من أوائل الستينات (هى الآن بها عمارات وفيلات حديثة) ... ورأس البر لها شاطىء على البحر المتوسط وشاطىء على نهر النيل يسمى "الجربى" وأمامها على الضفة الأخرى من النيل تقع قرية صيادين تسمى عزبة البرج ... كنا ننتظر فترة المصيف بكل شغف ولهف شأن كل الأطفال والشباب ففيها حرية أكبر والإستمتاع بمياه البحر وركوب الدراجات ولعب الكرة وكرة المضرب (الراكيت) وكانت فترة المصيف تنقضى بسرعة غريبة شأن كل الأوقات السعيدة ... كان أبى- رحمة الله تعالى عليه- يستأجر سيارة خاصة لسفر الوالدة والبنات أما نحن- الخناشير- فكنا نسافر بالأتوبيسات ... كان الجدول اليومى- فى معظم الأيام- يبدأ من السادسة صباحاً حيث فترة السيدات على شاطىء البحر (من 6ص الى 7 ص) وعند مخارج الشوارع الى الشاطىء يقف رجال الهجانة بالجمال لمنع أى رجل من الإقتراب من الشاطىء خلال هذه الفترة فكانت السيدات والآنسات يذهبن الى الشاطىء خلال هذه الفترة الصباحية ثم نذهب نحن الى البحر بعد الساعة السابعة صباحاً وننصب الشمسية وكراسى المصيف ونظل نلعب فى مياه البحر حتى حوالى العاشرة فنعود الى العشة للإفطار ونعاود الذهاب "للبلبطة" فى البحر ولعب الراكيت حتى قرب الثانية أو الثالثة عصراً فنذهب للعشة لتناول طعام الغداء ثم أحياناً نذهب للبحر مرة ثالثة حتى قبيل المغرب فكان أبى- رحمة الله تعالى عليه- يحضر للشاطىء لمشاهدة غروب الشمس وهى "تسقط فى البحر" ... وفى أحيان أخرى كنا بعد الغداء نذهب لتأجير الدراجات أو لعب الكرة أمام العشة ... وفى المساء كنا نذهب الى منطقة الكورنيش واللسان (وهو لسان حجرى ممتد داخل المياه يفصل بين النيل والبحر) .. وفى هذه المنطقة ينتشر الفطاطرية أتذكر منهم أبو طبل ودعدور وهما أشهر محلات الفطير وكانت الفطيرة الكبيرة المحشوة بالكريمة تباع بعشرة قروش !! ونشترى اللب والسودانى والمشبك الدمياطى الشهير واللوكومادس (لقمة القاضى) ثم نعود للعشة لإستكمال السهر حتى منتصف الليل تقريباً (لا نريد ضياع دقيقة واحدة دون إستمتاع) ... وكانت وسيلة المواصلات برأس البر هى الطفطف الشهير وكثيراً ما كان سائق الطفطف يسير به على الشاطىء عند أطراف الموج فكنا نسعد جداً بما يفعله ... شىء آخر مميز فى رأس البر أنه فى فترة المصيف كان هو وقت فيضان النيل - قبل بناء السد العالي - ويلوّن الطمى مياهه باللون الأحمر الداكن وحين تصل مياه الفيضان الى رأس البر كانت مياه الفيضان تطغى على مياه البحر وتتوغل داخله لكنها لا يمكن أن تختلط بمياه البحر فنرى بالعين المجردة الفاصل الواضح بين مياه النيل الحمراء ومياه البحر الزرقاء (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ- الرحمن 19، 20) ... كنت فى عدد من أيام المصيف أذهب مع أبى الى شاطىء الجربى حيث ترسو "البلانصات" وهى محملة بما اصطادته من سمك السردين الطازج فنشترى كمية كبيرة بعضها يتم تخليله فى صفائح (لشم النسيم) والجزء الآخر نذهب به الى الفرن مع كثير من الجمبرى والكابوريا الطازجة وقد كانت أسعارها رخيصة وقتها .. والفرانين هناك أساتذة فى تسوية الكائنات البحرية .. وأينما تذهب فى رأس البر خلال فترة الظهيرة تشم رائحة شوى (البورى والسردين والجمبرى والكابوريا) تنتشر فى هواء المصيف من الأفران العديدة هناك ... أما بائعى الخضروات فكانوا يمرون على العشش بدءاً من الساعة الثامنة صباحاً يشترى منهم المصيفون ما يريدون ... أما الآيس كريم فقد كان البائعون يسيرون بعرباتهم التى على شكل المركب ويبيعون الآيس كريم فى ما يسمى الساندوتش !! وهو عبارة عن قطعتى بسكوت شكلها مثل البانيو بطول حوالى ثمانية سنتيمترات ويحشو كل قطعة بالآيس كريم ثم يضعهما فوق بعضهما ليكونا ساندوتش آيس كريم !! والساندوتش بقرش صاغ !! ... وكان أحدهم يحضر أمام عشتنا فيقول له أبى "شوفهم عايزين إيه" وكان من يلتهم الساندوتش يطلب تانى وفى النهاية يسأله والدى كم سندوتش؟ فيقول له مثلاً 20 أو 25 فيعطيه الثمن !! ... موقف طريف أتذكره فى مصيف عام 59 أو 60 .. فقد كان بالعشة ثلاجة بدائية بالمطبخ مبنية من الطوب ولها باب صغير به زجاج لرؤية ما بالداخل ولها باب علوى لعلبة معدنية يفتح لوضع الثلج داخله فيتم تسقيع المياه وتبريد أى شىء آخر .. وكنت أتعجب لماذا عند فتح باب الثلاجة تضىء لمبة بداخلها وعند إغلاق الباب تنطفىء اللمبة !! ... فأردت أن أفحص هذا اللغز "فقرفصت" وفتحت الباب وأغلقته عدة مرات حتى لاحظت زر صغير عند كعب الباب فقمت بالضغط عليه وإذا تصيبنى صعقة كهربية شديدة إرتميت على ظهرى من شدتها وكانت النجاة فى هذه الرمية ولو لم أكن "مقرفصاً" لما نجوت من الصعق .. ولم أخبر أحداً بما فعلت وكان درساً أليماً !!! هذه بعض من ذكريات المصيف فى الطفولة وفترة المراهقة والتى ما زالت عالقة بذهنى أتذكرها بكثير من الإبتهاج والسعادة فقد كانت أيام ذهبية بحق .. لهو ولعب ولا نحمل هماً إلا وقت الإمتحانات فقط ... رحمة الله تعالى على تلك الأيام التى ولّت ببهجتها وسعادتها وبراءتها وتغيّرت الأيام وتبدلّت بالشقاء والهموم كما هى سنة الحياة.

بقلم والدي: محمد اسامة راغب

1 comment:

  1. شراء مظلات كاسيت كهربائية بسعر مناسب

    اشتر مظلات كاسيت كهربائية مباشرة من الشركة المصنعة عبر الإنترنت بسعر معقول. جودة صنع في ألمانيا.

    See More:- مظلات-كاسيت

    ReplyDelete