Sunday, April 17, 2016

كنافة رمضان








خلال عام 1970 كنت أخدم بالجيش الثالث الميدانى فى وحدة ميدانية متخصصة فى صيانة وإصلاح السيارات والمركبات .. وكنا نبيت فى ملاجىء تحت الأرض يطلق عليها "قفص القرد" مساحته حوالى 10 أمتار مربعة .. كانت حياة جافة للغاية فى الصحراء القاحلة لشح المياه والطعام المخلوط بالرمال فى كثير من الأيام (من العواصف الترابية) ولا توجد أى وسائل ترفيه بخلاف لعب كرة القدم أحياناً وقت العصر والأجازات 4 أيام كل 26 يوما .. وهلّ علينا شهر رمضان الكريم والغالبية العظمى من الأفراد تصوم كالمعتاد .. وتصادف أن كان لدينا بالوحدة مجند "كنفانى" عرض على قائد الوحدة أنه يمكن بإمكانيات الوحدة أن نصنّع كنافة بأن نبنى 2 فرن (أحدهما لعمل الكنافة والآخر لتسويتها) وعمل صينية مستديرة قطرها حوالى متر و"كوز" لصب عجينة الكنافة (ذو مخارج دقيقة أسفله) وعمل صاجات للتسوية مع تدبير الدقيق والسمن والسكر اللازم لعمل الكنافة .. أعجب قائد الوحدة بالفكرة فأمر بتنفيذها على الفور .. شارك المهنيون بهمة فى عمل الأدوات المطلوبة وتولى الجنود بناء الأفران وجمع كسر الخشب المتبقى من صناديق المحركات وقطع الغيار لإستخدامها كوقود للأفران .. إقترح فرد آخر شراء فول سودانى لحشو الكنافة وكان ذلك ... ثالث أيام رمضان كان كل شىء جاهز وبدأ الكنفانى فى عمل الكنافة ب"الكوز" وسط صيحات الجنود الملتفين حوله وكلما جمع الكنفانى ما صبه فوق الصينية يصيحون "هييييييييييييييييه" ... وكلما تجمعت كمية مناسبة أخذها طباخ الوحدة لملىء الصاجات وتسوية الكنافة بعد حشوها بالسودانى ثم صب "الشربات" عليها بعد التسوية وتقطيع الصاج الى مربعات مناسبة للأفراد ... حدث كل ذلك وأنا وبعض الضباط نراقب العملية كلها مسرورين لفرحة الجنود وسعادتهم .. وكان ما تم صنعه فوق كفاية كل أفراد الوحدة فبعثنا الزيادة كهدية الى بعض الوحدات المجاورة ... الشىء الغريب أنه فى اليوم التالى حضر لوحدتنا بعض قادة الوحدات القريبة منا يشتكون لماذا لم نرسل اليهم كنافة مثل الآخرين !!! وكان القرار أن الزيادة كل مرة تذهب لوحدات غير المرة السابقة ... تذكرت هذه الواقعة وابتسمت وكتبتها علها تبين للأصدقاء لمحة من لمحات السعادة والبهجة التى عشناها وسط الحياة الميدانية الجافة والبالغة القسوة قبل معارك 73.

بقلم والدي: محمد اسامة راغب

No comments:

Post a Comment