Sunday, April 17, 2016

يوم عصيب بسيدي برانى


 

 تقع منطقة سيدى برانى غرب محافظة مطروح وتبعد حوالى 140كم غرب مدينة مرسى مطروح وتبعد عن السلوم حوالى 80كم ... فى عام 1979 إنتقلت للخدمة بأحد التشكيلات المدرعة بسيدى برانى بمنطقة تسمى "مشيفة" تبعد جنوب البحر بحوالى 35 كم فى جوف الصحراء القاحلة حيث لا زرع ولا ماء ولا شىء غير الرمال والأتربة وكانت مدينة سيدى برانى وقتها عبارة عن قرية صغيرة للغاية ولا خدمات فيها وبها بعض الحوانيت التى تبيع مواد البقالة البسيطة بالإضافة الى عدد محدود من محلات الجزارة التى تبيع لحوم الضأن ونشاط أهل المنطقة (البدو) ينحصر فى تربية الأغنام والجمال وزراعة بعض الأراضى بالشعير على مياه الأمطار وندى الصباح ... وكانت المياه تصل الينا من سفن "حاوية للمياه" من الإسكندرية الى السلوم ومن السلوم تنقل بسيارات فنطاس الى سيدى برانى ومن السيارات الى الجراكن ومنها الى الزمزميات التى نشرب منها ... ومن الممكن أن نشهد الفصول الأربعة للطقس فى يوم واحد (حر وبرد ومطر وشمس ورياح وجو لطيف) ... ومنطقة برانى هذه يلازمها الرياح المحملة بالأتربة فى كثير من أيام السنة وتشتد أحيانا لتكون عاصفة فتتوقف جميع الأنشطة اليومية بحيث لا يمكن تجهيز أى طعام ولا نحصل على المياه فى هذا اليوم حتى هدوء العاصفة ليلاً وبيبقى يوم "زحل" ... وذات يوم من عام 1979 ومنذ الصباح الباكر حدثت عاصفة شديدة للغاية (كان يوم "إثنين" وكان يوم زيارة مناحيم بيجين لمصر.. وكأن زيارته تلك كانت نحساً علينا) ... الرؤية منعدمة تماماً بسبب كثافة الرمال والأتربة الناعمة وحجبها تماماً للشمس بحيث لو نظرت الى كف يدك لا تراه وكأننا فى بحر من الطحينة الحمراء الداكنة ولا يمكن بأى حال أن يتحرك أحد من مكانه لأنه سوف يضل الطريق بالتأكيد ويتعرض للإختناق والموت الأكيد .. علاوة على ان رمال العاصفة تصفع الوجه وتؤلمه كأن الرمال مجموعة من الإبر تخترق البشرة ... شىء مهول لم أره فى حياتى من قبل ولم أره بعد ذلك رغم خدمتى الطويلة فى صحراوات مصر ... واحتمينا داخل مكان المبيت وهو أشبه ما يكون بالكوخ الكبير نسبياً نسميه "هاردبورد" لأنه مصنوع من الهارد بورد (نوع من الكرتون المضغوط) على هيكل من الخشب .. وكل منا وضع فوطة على فمه وأنفه حتى يمكن التنفس بدون الأتربة (التى تتسلل الى الداخل من الفوارق والفواصل بين الباب والنوافذ وبين الهيكل غير المحكم) وننظر من خلال زجاج النافذة فلا نرى شيئاً بالمرة وكأن الزجاج مدهون ببوية أصفر بإحمرار ومرت الساعات بطيئة مع إزدياد حرارة الجو بالداخل وبدء تصبب العرق قرب الظهيرة حتى وصلت الى الساعة الثانية ظهراً حيث حدث ما لم يكن فى الحسبان ... لقد طار سقف مكان المبيت وتقذف الرياح علينا الرمال الصفراء والأتربة الحمراء بلا هوادة ونحن لا نملك لها دفعاً ولا وقاية واختلطت الأتربة بالعرق لتغطى الجبهة والأماكن المكشوفة من الجسم (الجبهة واليدان والقفا) بوحل بنى ... إستمر هذا الحال المأساوى حتى السادسة مساء حيث بدأت العاصفة تهدأ رويداً رويداً حتى هدأت تماماً فى السابعة ليلاً ... مر اليوم كله ولم يتذوق أحد الطعام واكتفينا بالماء القليل الذى كان فى الزمزميات منذ الأمس .. وكان همنا الأكبر أن نعيد السقف الذى طار وأن ننظف المكان و"تنفيض" الملاءات والبطاطين من الأتربة والرمال وتم ذلك على ضوء كشافات السيارات ثم بعد تشغيل مولد الكهرباء فى حوالى الثامنة مساء ... وبالطبع لا نملك رفاهية الإستحمام فى هذا اليوم "الأغبر" لعدم وجود مياه واستعنا ببعض الجنود لرفع أجزاء السقف التى طارت وثبتناها بالمسامير مؤقتا حتى يتم تثبيتها جيداً صباح اليوم التالى ... وكان هناك لمبة مثبتة فوق باب الهاردبورد لتنير المكان خارج مكان المبيت فى فترة تشغيل المولد (4 ساعات يومياً) ... وقبل الساعة العاشرة مساء حدث شىء غريب للغاية .. فقد سمعنا بالخارج صوت خشخشة غريبة (شششششششششش) يزداد وضوحاً وعلواً بمرور الوقت فخرجنا لنستطلع مصدر الصوت وإذا بنا نرى مشهداً مرعباً .. جحافل هائلة من الخنافس الصحراوية تغطى مساحة كبيرة جداً متجهة الينا أو بالأصح متجهة الى مصدر الضوء أى لمبة الخارج (الصوت هو إحتكاك أرجلها بالرمال أثناء المسير) وبمنتهى السرعة أطفأنا الإضاءة الخارجية والداخلية و"حشرنا" بعض الملاءات لسد الفتحة أسفل الباب وأغلقنا النوافذ وانتظرنا حتى إختفى الصوت تماماً بعد حوالى ساعة وأضأنا لمبة الخارج فلم نجد أثراً للخنافس وتنفسنا الصعداء وفتحنا الشبابيك ... كان يوماً عصيباً ومرهقاً للغاية وقد توفى فى هذا اليوم عدد من الأفراد إختناقاً بسبب خروجهم من مكان المبيت وضلوا الطريق ... لقد رأيت أثناء خدمتى بسيدى برانى (سنتين) عدداً من الأعاجيب والغرائب ربما أكتبها فى وقت آخر.

بقلم والدي : محمد اسامة راغب

No comments:

Post a Comment